عبد الوهاب الشعراني
331
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
أجره على اللّه فليدخل الجنّة ثانيا وثالثا ، فقال ومن ذا الّذي أجره على اللّه ؟ فقال العافون عن النّاس ، فقام كذا وكذا ألف يدخلونها بغير حساب » . وروى الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن أنس قال : « بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتّى بدت ثناياه فقال له عمر : ما أضحكك يا رسول اللّه بأبي أنت وأمّي ؟ فقال : رجلان من أمّتي جثيا بين يدي ربّ العزّة فقال أحدهما : يا ربّ خذ مظلمتي من أخي فقال اللّه : كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء ؛ قال يا ربّ فيحمل من أوزاري وفاضت عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالبكاء ، ثمّ قال إنّ ذلك اليوم ليوم عظيم يحتاج النّاس أن يحمل عنهم من أوزارهم فقال اللّه للطّالب : ارفع بصرك فانظر فرفع بصره فقال يا ربّ أرى مدائن من ذهب وقصورا من ذهب مكلّلة باللّؤلؤ فيقول لأيّ نبيّ هذا ؛ لأيّ صدّيق هذا لأيّ شهيد هذا ؟ قال اللّه هو لمن أعطى الثّمن ، فقال يا ربّ ومن يملك ذلك قال أنت تملك ذلك ، قال بماذا ؟ قال بعفوك عن أخيك ، قال يا ربّ فإنّي قد عفوت عنه ، قال اللّه تعالى فخذ بيد أخيك وأدخله الجنّة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك اتّقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم فإنّ اللّه يصلح بين المسلمين » واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في بر الوالدين : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نرغب إخواننا في بر والديهم وصلتهم ، والإحسان إليهم ، وبر أصدقائهم من بعدهما ، ونبين لهم تأكيد طاعتهما ويقاس على ذلك بر والد القلب من المشايخ وصلته والإحسان إليه ، وبر أصدقائه من بعده ، وبيان تأكيد حقه . ويحتاج العامل بهذا العهد إلى توفيق زائد في هذا الزمان مع مصاحبة أستاذ يطلعه على مقام الوالدين المذكورين ، وذلك لا يكون في أب الروح إلا بعد اطلاع المريد على نفاسة الطريق ونفاسة ما يدعوه إليه الشيخ كشفا ويقينا ، وإلا فمن لازمه كثرة الإخلال بتعظيمه وعصيانه . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : لا يتحرك عند مريد داعية التعظيم والإجلال لشيخه كما ينبغي إلا بعد الفتح عليه ، وأكثر المريدين قد عدموا الفتح في هذا الزمان ، فلذلك كان من لازمهم غالبا عقوق الأستاذين وعدم احترامهم . وقد تقدم في هذه العهود أن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه منذ وعى على نفسه لم يأكل مع والدته خوفا أن تسبق عينها إلى لقمة أو قطعة لحم أو رطبة أو عنبة فيأكلها وهو لا يشعر . وقد كان الطلبة والمريدون في الزمن الماضي يجلون أشياخهم في الطريق ، وآباءهم من الطريق ، ولو صار أحدهم شيخ الإسلام ، وذلك لنظرهم إلى الدار الآخرة وقد صار غالب الناس اليوم بصره مقصورا على أحوال الدنيا وزينتها ، حتى إني أعرف شخصا من المدرسين بالجامع الأزهر والمفتين به جاءت والدته من الريف فأنكرها خوفا أن تزدريه امرأته المصرية ، وقال لها يا عجوز إن قلت أنا أم الشيخ أخرجتك ، ولم أعد أمكنك من الدخول إلى داري أبدا ، فكان يقول للخادم غديتم العجوز الفلاحة ، عشيتم العجوز